السبت، 24 سبتمبر، 2011

فتاة الريف .. الصعود نحو الأسفل

فتاة الريف .. الصعود نحو الأسفل ! 
في زيارة سريعة لريفنا الحبيب وفي أحد بيوتهِ المتواضعة كانت لي جلسة قصيرة مع إحدى الفتيات الصغيرات وأنا أسألها عن أحوالها الدراسية ؟ قالت بتهكم : تركتُ الدراسة منذ سنتين .. سألتها بتعجب : ولكن لماذا ؟!
- لأنني لا أحبها .. يكفي أني تعلمت القراءة والكتابة .
قلت لها بألم : العلم لا يعني تعلم القراءة والكتابة فقط ! ومن ثم يجب ان تواكبي فتيات عصركِ وتعرفي كل ما يدور في المجتمع من خلال كسبكِ للعلم والمعرفة .. كما ان للشهادة التي ستحصلين عليها دورها في تغيير مستقبلك نحو الأحسن .
- لا تهمني الشهادة على الإطلاق أما بخصوص العلم والمعرفة فأنا أتعرف على أمور كثيرة من خلال التلفاز .
أخذت تلك الفتاة جهاز الكونترول وصارت تتنقل من فضائية لأخرى وكأنها تتباهى أمامي بعدم حاجتها إلى أي شيء آخر ! كانت تلك الفتاة في الثالثة عشر من عمرها تقريباً ، اتجهت عيناي نحو التلفاز لأرى أين ستستقر أناملها ؟ وأخيراً قالت بفرحة غامرة وهي تستقرعلى احدى القنوات : إنها مسلسل رائع ، بل كل المسلسلات التركية رائعة .. أم ماذا تقولين ؟ قلت بابتسامة حزينة : هل تأخذين ثقافتكِ وعلومكِ من هذه المسلسلات ؟ !!! وهنا وقبل أن تجيب دخلت بقية أخواتها وكُنَّ أصغر منها عمراً ، أسرعن نحو التلفاز وتحلقت عيونهن الجميلة نحوهُ بلهفة .. عرفتُ من خلال ملابسهن أنهن كن في المدرسة ، ثم دخلت الأم وهي تسألهن : ما هي نتائجكن ؟؟ طأطأت الفتيات برؤسهن وهن يرددن : راسبات !!!
ثم مددن أياديهن الصغيرة نحوها : وهذه هي شهاداتنا .. قلت وقد أدهشني الموقف : هل فعلاً هنَّ راسبات ؟ أجابت الأم باقتضاب : نعم ..للأسف ! سألتها : وفي أي المراحل هن ؟ أجابت بخجل : الكبيرة في الثالث الابتدائي والوسطى في الثاني والصغيرة في الأول .. عدتُ لأسأل بذهول : وراسبات ؟؟؟
حينها أُسقط في يد الأم وهي تقول : لقد أتعبني مستواهن المتردي وسأقوم بإجبارهن على ترك المدرسة كأختهن الكبرى ، قالت التي في الصف الثالث : ولماذا تجبريننا ؟ سنتركها بملأ إرادتنا .. ثم عادت لتتابع المسلسل التركي وهي تردد : كم اكره المدرسة !
تكلمتُ مع الأم في محاولة مني لثنيها عن قرارها : أعطيهن فرصة أخرى لعلهن ينجحن في السنة القادمة .
قالت بأسف : إنهن يرسبن لسنتين متتاليتين يا أختاه .. فهذه السنة الثانية لكل منهن في نفس الصف ، سألتها باهتمام : ما الذي يشغلهن عن الدراسة ؟ هل تعمل بناتكِ في المزرعة ؟ ضربت على صدرها وهي تقول : لا أبداً .. اقسم لكِ إنهن لا يخرجن من البيت إلا إلى المدرسة فقط .
- اذاً ما السبب .. هل هو التلفاز ؟
وهنا أدارت المرأة بوجهها نحو ذلك الجهاز ورأت المسلسل فشهقت وهي تقول : متى بدأت ؟ لماذا لم تخبرنني يا بنات ؟ قالت إحداهن : ولكن ألم تشاهدي هذه الحلقة ليلة أمس ؟ أجابت الأم ومازالت تحملق بناظريها في ذلك المسلسل : لا لقد تملكني النعاس وأبوكن من شاهدها فقط .
حينها فقط عرفتُ السبب في رسوب جميع فتيات هذه العائلة في دراستهن ، فإذا كان الأب والأم يتسابقان مع أبنائهم وبناتهم لأخذ الثقافة من هذه المسلسلات الوضيعة فأي مستقبل ثقافي ينتظر هذه العائلة ؟ اكتب هذه الكلمات والعبرة تخنقني على هكذا عوائل كنا نتمنى أن تتثقف فعلاً لا ظاهراً فقط ، فأبناء الريف اليوم لم يعودوا كالسابق بعيدين عن تطورات العصر وثقافته وعلومه .. هكذا كنت أتصور ! لكني تفاجأت في تلك الزيارة القصيرة وما تبعها من زيارات ولبيوتات متعددة بأن تصوري ليس في محله فالثقافة التي تمنينا أن تصل إلى ريفنا الحبيب لم تكن إلا ثقافة الفضائيات والموبايل !!
لا يعني هذا اننا لن نجد عوائل اتجهت اتجاهاً صحيحاً نحو الثقافة الحقيقية .. بل بالعكس فهناك من تشكل مفخرة العوائل العربية المسلمة والملتزمة وهي تقطن ريفنا الحبيب ، ولكن تبقى نسبتها قليلة لو قارنّاها مع بقية العوائل الريفية في يومنا هذا .. وأتساءل في نهاية حديثي : أين دور المؤسسات الدينية في توعية أبناء الريف وعوائلهم ؟ فإن كان نشر الوعي في المدن والقرى الكبيرة هو أمر صعب بسبب اتساع الرقعة السكنية في هذه المناطق ، فهل نشر الوعي بين العوائل الريفية هو أمرٌ صعب ايضاً ؟؟
أين أخواتنا ( الداعيات إلى الله ) من كل هذه الويلات التي تحدث لفتياتنا المسلمات في ريفنا الحبيب ؟ فالفلاح اليوم – يا أخوتي – لم يترك الزراعة فقط ليلتحق بالوظائف العصرية وينخرط في مؤسسات الدولة كالشرطة والجيش ، بل انه ترك حتى تربية بناته للفضائيات والتطور الزائف وهو يتوقع بأنه يصعد بنفسهِ وعائلتهِ نحو القمة ، لكنه مع الأسف ليس إلا صعوداً نحو الأسفل . 

الأحد، 18 سبتمبر، 2011

لنأخذ من زوجة العزيز عِبرة !


لنأخذ من زوجة العزيز عِبرة !


إستوقفني مشهد رأيته في مسلسل ( يوسف الصديق )  .. جعلني ذلك المشهد اُبحر في خيالي بعيداً .. تسائلت مع نفسي : هل زليخة زوجة العزيز أفضل منا ؟!
فبالرغم من كل المعاصي التي ارتكبتها تلك الإنسانة في شبابها ، وبالرغم من الأذى الذي ألحقته بنبي الله يوسف ( عليه السلام ) فإتهمته بالخيانة وأدخلته السجن عدة سنين .. لكنها حينما شعرت بالندم وحينما شعرت بأنها مذنبة من رأسها الى قدمها لم يمنعها عظيم الذنب ولا كثرة المعاصي من إعلان التوبة وطلب الرحمة والمغفرة !
وأما المشهد الذي إستوقفني للتأمل فلقد ظهرت فيه زليخة بعد - أن تقدم فيها العمر - تتسائل : كيف يمكنها أن تجعل يوسف ( عليه السلام ) راضياً عنها ؟!
حينها أجابت نفسها قائلة : يجب أن يرضى عني ربُّ يوسف أولاً !!
هنا دمعت عيناي واقشعر بدني حينما فكرت مباشرة بأن ( يوسف آل محمد ) الإمام المهدي " عليه السلام " قد يكون غير راضٍ عنا !
لقد وصلت زليخة الى نتيجة مفادها : بأنها وحتى تكسب رضا حبيبها يوسف فإنها يجب أن تُرضي رب يوسف وخالق يوسف وإله يوسف !
أتسائل : هل أرضينا رب الإمام المهدي " عليه السلام " حتى نطلب بعد ذلك رضا الإمام علينا؟
لماذا لا نأخذ من كلام " زليخة " عِبرة لنا ؟
فكثير هم الذين يتوقون بشوق نحو الإمام المهدي " عليه السلام " ويتمنون لُقياه ونصرته ويدعون الله دائماً أن يكون الإمام راضياً عنهم ومحباً لهم ..ولكن !؟ لا نراهم يسعون لكسب مرضاة الله أولاً !!
فأصبح رضا الإمام مجرد حلم يتمنون أن يتحقق دون أن يسعون الى تحقيق ذلك الحلم !
ولن يكسب الإنسان مرضاة إمام زمانه إذا لم يكسب مرضاة الرب العظيم والإله الجليل .
فالشاب أو الرجل الذي يعتبر نفسه مهدوي ومن المنتظرين لصاحب الأمر ومهيء لئن يكون جندي من جنود الإما م " عليه السلام " ما إن يتعرض لفتنة قوية أو تعرض عليه خطيئة حتى يبادر الى فعلها متناسياً إمام زمانه وحبه له !!
والنساء كذلك فهناك الكثير ممن يدعين إنهن محبات لإمام زمانهن ومتشوقات لرؤية نوره المبارك وو..
ونراهن في الحقيقة يلهثن خلف مشاهدة المسلسلات الساقطة والأزياء والموديلات !
وعندما يقول أحد لجميع هؤلاء بأنكم سوف لن تنالون نصرة الإمام عند ظهوره وسوف تكونون في صفوف المعادين والمبغضين له .. فسيغضبون وتثور ثائرتهم ويعودون لتكرار عبارة : نحن من محبي ولي الله الأعظم !!
نعود الآن الى " زليخة " ونسأل : هل كانت صادقة في حبها ليوسف ؟
والجواب يتضح لنا من تتبع أحداث قصتها مع ذلك النبي " عليه السلام " فبداية الحب كان شيطاني حينما أحبت جمال النبي يوسف ورجولته ولم تستطع تحمل ذلك الحب فحاولت أن تهب نفسها له رغم كونها متزوجة من رجل آخر !
وبعد ذلك .. تحول حب زليخة ليوسف من حب إمرأة لرجل الى حب إنسانة مؤمنة لرجل رباني هو نبي من أنبياء الله !
حينها فقط صارت تتسائل : كيف أرضي رب يوسف ؟
إذاً الواجب علينا أن نعشق إمامنا المهدي "عليه السلام " ليس لجماله الذي فاق جمال يوسف ، وليس لأجل صفاته الرائعة ، وليس لأنه ولي نعمتنا فقط !!
بل يجب أن نعشقه لأنه خليفة الله في أرضه ، وبقية الله الأعظم ، ووجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء .. وسنشعر حينها بأننا بحاجة الى طلب مرضاة الله سبحانه وتعالى بل سنطلبها بكل ما أوتينا من قوة ..
وعند ذلك نستطيع القول وبثقة تامة : نحن من المنتظرين لصاحب الأمر " عليه السلام " ومن العاشقين لطلعته البهية .

الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

هل الجنــــة تحت اقدامها..؟!


هل الجنة تحت أقدامها ؟!

حضنت غادة أخاها الصغير وهو يبكي ، ضمتهُ بين يديها وهي تقول لهُ : اصمت يا حبيبي سينتهي هذا الشجار بعد دقائق !
كان صوت الأم يرتفع من الغرفة المجاورة أما الأب فكان يحاول تهدئتها كالعادة ... حاولت غادة أن تستمع إلى كلمات أمها الغاضبة لعلها تعرف سبب هذا الشجار ، لكنها لم تسمع شيئاً غير جملة : أريد الطلاق !
صارت غادة هي الأخرى تبكي وأخيها الذي يصغرها بسنتين ينظر إلى دموعها ، قال لها بعد أن مسح دموعه : ألم تقولي إن هذا الشجار سينتهي ، إذاً لماذا أنتِ تبكين الآن ؟
لم تعرف غادة بماذا تجيبه غير إنها مسحت دموعها وابتسمت في وجهه وعادت لحضنه بين يديها.
وأخيراً خرج الأب من الغرفة ، نظر إلى المشهد الذي أمامه حيث كان مشهداً مؤلماً اتجه نحو طفليه سحب الصغير من يدي آخته وهو يقول لهما : هيا يا صغيريّ يجب أن تناما فالوقت متأخر !
نظرت غادة إلى عيني أبيها ، لمحت الدموع تترقرق في عينيه ... قالت له وهي تمسك بيده :
أبي ... لماذا تريد أمي أن تتركنا ؟
لم يجب الأب كعادته عندما تطرح عليه غادة هذا السؤال فلطالما حيرّها هذا الأمر كثيراً بل وسبب لها الرعب هي وآخيها .. فأمهما تثير هذا الشجار بين فترة وأخرى لتطلب من زوجها في كل مرة أن يطلقها ! وضعت غادة رأسها على الوسادة وقد قررت أن تتكلم مع أمها وتسألها هذا السؤال مباشرة .
وفي اليوم التالي وقبل أن يعود والدها من عمله اتجهت نحو غرفة والدتها واستأذنت بالدخول ، ارتبكت قليلاً فهي لا تملك الجرأة للتكلم مع والدتها بهذا الأمر فقد تضربها أمها وتعاملها بقسوة كما عهدتها دائماً ، ولكنها كانت مصرة على التحدث هذه المرة . قالت وقد استجمعت قواها :
ـ أماه ... لماذا تريدين تركنا ؟ إن أبي لا يستحق منك هذه المعاملة ، فهو رجل طيب ويحبك ويحبنا كثيراً وقد وفرّ لنا كل شيء من متطلبات الحياة فلماذا تريدين ترك هذا المنزل ؟!
كانت غادة تبكي وتتكلم ، نظرت إليها والدتها بنظرات غاضبة ثم صرخت بوجهها قائلة : أنا أكرهكم ! اكره أباك ولم أحبه يوماً !
كانت هذه الكلمات بمثابة صدمة كبيرة لقلب تلك الطفلة التي لم تعرف ماذا تقول حينها ، وما أن جاء الليل حتى تكرر ذلك الموقف وبدى الشجار أكبر من كل مرة حيث انتهى بكلمة أطلقها الزوج تجاه زوجته وهو يقول لها : أنتِ طالق !
خرجت الزوجة مهرولة من الغرفة ، اتجهت نحو جهاز الهاتف وهي تصيح : الحمد لله ... سأتصل بأبي حتى يأتي لأخذي ! اتجهت غادة نحو أمها في محاولة لإرجاعها عن موقفها :
ـ أمي أرجوكِ كيف تتركينا ؟ إننا نحبك !
تصرفت الأم وكأنها لم تسمع كلمات ابنتها الصغيرة ، أما الطفل الصغير فكانت دموعه تعبّر عن مشاعره فهو يتمنى أن يتجه نحو أمه ليتوسل إليها بأن لا تتركهُ لكنهُ خائف من ردّة فعلها فقد تضربه ! ورغم كل القسوة التي كانت تحملها تلك الأم تجاه طفليها إلاّ إن الطفلين كانا يشعران بأنهما في حاجة إلى تواجدها معهما فهما قد تعوّدا على معاملتها لهما !
وبعد مرور أشهر قليلة من ترك الأم لبيتها قررت غادة أن تتصل ببيت جدّها لتعرف أخبار والدتها ولعلها تستطيع إقناعها بالعودة ، أدارت رقم الهاتف فرفعت خالتها السماعة : هلـّو ... كيف حالك خالتي .. أنا غادة ، هل امي موجودة ؟
أجابت خالتها : لا يا غادة .. ألم تعرفي ! لقد سافرت أمكِ قبل أيام إلى أسبانيا .
صاحت غادة بدهشة : ماذا ؟ أسبانيا ! وماذا تفعل هناك ؟
أجابت الخالة ضاحكة : لقد تزوجت أمك يا غادة ، قولي لأبيك إن أمك قد تزوجت من سالم ابن خالها.
تطافرت الدموع من عيني غادة وهي تسأل خالتها : أرجوك أخبريني .. هل تركتنا أمي لأجله ! هل كانت تكره أبي لأنها تريد الزواج من ذلك الرجل ؟
أجابت الخالة بجرأة : تريدين الحق يا غادة .. هذه أمنيتها منذ شبابها لكن أهلي أرغموها على الزواج بأبيك وهي لا تريده !
قالت غادة وهي تمسح دموعها : لكن يا خالتي هذا كان في الماضي أما الآن فهي أم لطفلين !
قالت الخالة محاولة إنهاء المكالمة : لا أعرف يا غادة .. فهذا الكلام كان يجب أن تقوليه لأمك وليس لي !
أقفلت السماعة في وجه غادة التي كانت تمسك بيد أخيها حيث وقف بجانبها منتظراً أن يسمع صوت أمه !
خاطبها قائلاً : أين هي أُمنا يا أختي ؟ أجابته بالقول : سافرت وتركتنا..فلقد تزوجت.
صاح بصوت مخنوق : تزوجت !
 وفي المساء وبينما كانت غادة تمسح على رأس أخيها وهو مستلقٍ على فراشه سألها قائلاً : ألم يعلمنا أبي دائماً إننا يجب أن نحترم أمنا لأن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) قال :
"
الجنة تحت أقدام الأمهات " ؟
قالت غادة : نعم يا حبيبي .. لماذا هذا السؤال ؟
فقال لها : هل فعلاً إن الجنة تحت أقدام أمي ؟
قالت غادة وقد فهمت ما يريد قوله : اسمع يا أخي .. إن هناك فرق بين الأم والوالدة ، فالأم معلمة والأم مُربية والأم حنان وحب وعطف والأم هي التي تتحمل كل شيء من أجل سعادة أبناءها أما الوالدة فهي التي تلدنا وتخرجنا إلى هذه الحياة ..
قال الطفل : هل تريدين القول إن أمنا ليست أم بل والدة فقط  !
قالت غادة وقد ابتسمت بحزن : نعم يا حبيبي بالضبط ! ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه واله )  " الجنة تحت أقدام الأمهات "  ولم يقل " الجنة تحت أقدام الوالدات  "!

قصة شبابية قصيرة بعنوان " فتاة الجنــــة "


فتاة الجنة


وقف أمير في ذلك الممر الطويل وضحكاته المصطنعة تتعالى وهو يستمع الى تلك الطرائف الساذجة التي تسردها عليه الفتيات وقد التففن حوله وهن يبدين بمظهرهن كأنهن في حفل وليس في حرم جامعي !!توقف أمير عن الضحك فجأة عندما رآها تقترب ، إنها هي .. تلك الفتاة التي هزت جبروته وزعزعت عرش غروره بعدم مبالاتها !نعم إنها الوحيدة من فتيات المرحلة لا يهمها أمره ..إنها الوحيدة التي لا تحاول أن تتحين الفرص للوقوف معه كما تفعل البقية للتمتع بالنظر الى وسامته والإصغاء الى كلماته المعسولة !انتبهت الفتيات الى نظراته لتلك الفتاة ، قالت إحداهن باستهزاء : ما بال هذه الفتاة منذ بداية هذا العام الى يومنا هذا لم تغير حجابها الأسود هذا ولا ليوم واحد !؟
قالت الأخرى متفاخرة : أنا خلال هذه السنة فقط إشتريت خمسة أنواع من الإشاربات !!كان أمير هو الآخر قد حيره أمر هذه الفتاة العنيدة ، لماذا تسير مطرقة الرأس هكذا وكأن أحداً لا يعنيها في هذا الكون ؟! لم يستطع أن ينام تلك الليلة فالأمر لم يعد يُحتمل والحالة هذه مستمرة منذ شهور ! لقد حاول أن يستدرجها اليه مرات عديدة لكنه فشل ! مد يده الى جهاز التسجيل أشغله وصار يستمع الى كلمات ذلك المطرب الذي يتحدث عن غرور وتكبر حبيبته ، ثارت ثائرة أمير ، بدأ يصرخ : نعم مغرورة .. متكبرة ! وهنا تذكر كلام صديقه إحسان الذي كان دائم النصح له بعدم الإستماع الى الأغاني فهي من المحرمات التي تثير المشاعر وتسبب للمرء ويلات وآهات هو في غنى عنها ..أغلق أمير الجهاز وأجبر نفسه على النوم متحدياً الأرق الذي أصابه .وفي الصباح قاد سيارته الحديثة متجهاً نحو الجامعة وقد أتعبه السهر وأرهقه التفكير ، كان يشعر بالصداع ، بعدها شعر بأنه لا يستطيع السيطرة على قيادة السيارة وفجأة فتح عينيه فإذا به مستلقياً على السرير في المستشفى ! ولكن ماذا حدث ؟
ولم تمضِ إلا ثواني حتى تذكرما حصل له من حادث أثناء الطريق الى الجامعة .. وعندها صار يدير وجهه في أرجاء الغرفة لعله يجد أحد أفراد أسرته أو أي شخص يعرفه ، وفعلاً رأى بعض أقربائه لكن من يرى ؟! انه صديقه إحسان .. ومن بجانبه ؟ انها هي  ..!!هل هذا معقول ! ومن قال لها انه في المستشفى ؟ هل كان إحسان يعرف بأن أمير يحب هذه الفتاة فأحضرها لكي تراه ويراها ! لا .. من غير المعقول فإن إحسان شاب متدين ولا يمكنه أن يفعل هذا الأمر ثم إنه لا أحد يعرف بحب أمير لها .. حتى هي لا تعرف ! وبينما كانت هذه التساؤلات تدور في ذهن أمير ، قام إحسان من مكانه وقامت هي أيضاً واتجها نحوه ، قدم له إحسان باقة من الورد قائلاً : الحمد لله على سلامتك يا رجل !كان أمير لا يرى أحداً غيرها ، لم يشح ببصره عنها بينما هي ما زالت خافضة الرأس كالعادة !انتبه إحسان الى نظرات أمير الحائرة تجاه حضور تلك الفتاة والتي هي طالبة في نفس مرحلتهما ، قال إحسان مبتسماً : آه لقد نسيت أن أعرفك على خطيبتي ولو إنك تعرفها إنها ..وقبل أن يلفظ إحسان اسم خطيبته صاح أمير والكلمات تتقطع في فمة : ماذا ؟ خطيبتك ! ولكن منذ متى وانا ما سمعتك يوماً تتحدث عنها او تسير معها ..؟ ! ابتسم إحسان قائلاً : انت تعرف يا أمير انني لست ممن يتحدث الى الفتيات في الجامعة ، لذلك لم أحاول يوماً أن استوقفها للكلام أو السلام أو ما شابه ذلك ، لكني حاولت بشتى الطرق أن اعرف عنوانها حيث انني كنت قد قررت خطبتها ولقد وفقني الله لمعرفة العنوان وزيارة اهلها وتمت الخطبة قبل اسبوع ويوم امس تم عقد القران ولم اخبر احد من الطلبة لأني أردت ان تكون مفاجأة وهذه المرة الأولى التي تخرج معي حيث رأيت انه من الواجب أن نزورك قبل أن نتجه الى أي مكان آخر !أبعد أمير وجهه عنهما حيث كادت الدموع تتطافر من عينيه كالشرر، ثم ردد بصوت مسموع : كنت دائماً أسألك باستهزاء ماذا ستحصل من تدينك والتزامك هذا يا إحسان ؟! فكنت تجيبني : سأحصل على الجنة ان شاء الله ..
واليوم أهنئك يا صاحبي فقبل أن يهبك الله الجنة وهبك فتاة الجنة .ثم خفض صوته ودموعه قد سقطت صرعى تحت قوة الندم والحسرة ، تمتم قائلاً : ليسامحني الله على كل ما إقترفته فيما مضى ..
وصار يعيد في ذاكرته صور الماضي التعيس وهو يلهو مع هذه وتلك بينما كان إحسان يسدي اليه النصيحة تلو الأخرى ، وها هو إحسان اليوم مع خطيبته .. تلك الفتاة التي كان أمير يحلم ولو بنظرة منها !وبعد أن استعرض هذه الأحداث أمام عينيه صار يكرر قوله تعالى :
( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )
 كان أمير لا يعي هذه الآية التي طالما رددها إحسان على مسامعه من باب النصيحة ، أما اليوم فإنه يعيها تماماً وبكل ما تحمله هذه الآية من معنى .

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م